فلا أترك الإخوان ما عشت للردى        كما أنه لا يترك الماء شاربه

الكاتب : جمال ماضى

حق النشر لازم لكل زائر وزائرة

أرحب بكم جميعا وأتمنى لكم قضاء وقت

 نافع ومفيد أقدمها لكم حبا وتقديرا وإكبارا

اضغط وشاهد أحداث غزة لحظة بلحظة

 

الخميس,أيار 01, 2008


العدالة الاجتماعية

وحقوق العمال

1 – العمل ميزان تقدم الأمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه , أما بعد

فمع انقضاء كل عام يتذكر العالم العمال , هؤلاء الكادحين الشرفاء المنسيين , الذين أولاهم الإسلام كل رعاية وعناية , وأعلى من قيمة العمل , في مواقف أوضح من الشمس , لا لبس فيها ولا غموض , فالعمل ميزان تقدم الأمة , ومهارة إتقانه هي مقياس حضارتها , والوفاء بأدائه هو غاية الإصلاح الاجتماعي , يقول أكمل العاملين صلي الله عليه وسلم : ( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ) .

وحض الإسلام على العمل , وجعل الإنتاج عبادة , بل جهاداً في سبيل الله : ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) التوبة 105 , وأكد على حماية الدولة لحقوق العمال , وإعطاء كل عامل على قدر ما يستحق من مهارة واتقان , يقول تعالي : ( ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ) الأحقاف 19 , ويقول تعالى : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعي وإن سعيه سوف يرى ثم يجزيه الجزاء الأوفى ) النجم : 39 / 41 .

رضى الله عن عمر الحاكم العادل وهو يقول : ( إني لأرى الرجل فيعجبني فأقول : هل له حرفة ؟ , فإن قالوا : لا , سقط من عيني ) , فقد علّم النبي صلي الله عليه وسلم الأمة ذلك في قوله : ( طلب الكسب فريضة على كل مسلم كما طلب العلم فريضة ) .

2 - الإسلام رفع شأن العمل والعمال

فمنذ أول وهلة من بزوغ الإسلام , وقد وضع شروطاً للعمل , من إتقانه على المستوى الفني والعملي , ومن عدم الغش لأنه يلحق الضرر بالأفراد والمجتمع , ومن الوفاء بالعهود بلا كذب ولا خداع , يقول صلي الله عليه وسلم : ( اليمين الفاجرة منفعة للسلعة ممحقة للكسب ) .

هذا الارتقاء والسمو عمل على تطور الحركة الصناعية والحرفية , وبعد أن كان ينظر إليها نظرة ازدراء , هاهو خير من عمل صلي الله عليه وسلم يقلب هذه المفاهيم رأساً على عقب , ويذهب إلى أصحاب المهن , ويلبي دعواتهم , مخالفاً العادات البالية .

ومنذ ذلك الحين ارتفع شأن العمل والعمال والحرفيين بوجه عام , وعلى مدي العهود الإسلامية , وفرت الدولة المواد الخام الزراعية والصناعية , واهتمت بالعمران في المدن , وازدهرت الصناعات اليدوية , وعملت على تنمية مهارات العامل وخبراته , ومازالت شواهد التاريخ تنطق بذلك .

كما سمحت الدولة بإقامة الروابط العمالية التي تكفل لهم الحماية , وأطلق عليهم أصحاب المهن , وأطلق عمر عبارته الشهيرة : ( ويل لديان الأرض من ديان السماء ) , ومن ثم انخرطوا في العمل الشعبي , ومارسوا كامل حرياتهم .

3 – نظرية إجتماعية متكاملة

ثم أتي حين من الدهر على البشرية , سرى فيها الانحطاط السياسي , والارتفاع في الأسعار , وقلة الأجور , واحتكار المواد الغذائية , فانتشر الفساد والنهب واللصوصية , فانتبهت الأمة إلى إسلامها , فقدمت للبشرية المعذبة في كل مكان , نظرية اجتماعية متكاملة , هي التي تحقق لها العدالة الاجتماعية , وتحمي العمل وترفع من شأن العمال .

لقد تخبطت البشرية وهي تجتهد في نظريات , كلها كانت تدور حول فكرة العدالة الاجتماعية , من توفيق الأجر مقابل العمل , أو الصراع الطبقي , أو التلفيق بين الأمرين , فلا هي أعطت صورة واضحة عن العدالة الاجتماعية , ولا قدمت بسهولة أساليب تحقيقها.

 ففي الوقت الذي تباهي اليوم فيه أمريكا بنظامها الرأسمالي , مدعية أنه محراب العدالة الاجتماعية , نري تراكم الثروة في طرف وحرمان طرف آخر , وفي ذلك يقول الخبراء : ( أفقر فقراء العالم اليوم يعيشون تحت ظل النظام الرأسمالي الأمريكي , وأغني أغنياء العالم يعيشون على أرض نفس النظام ) .

ولذا فقد بات من أكثر النظم الاجتماعية ظلماً وإجحافاً بحقوق العمال المادية والمعنوية , وإن حوت بنود اتفاقياتهم - والتي أطلقتها أمريكا منذ أكثر من نصف قرن -  كلمات براقة ظلت حبيسة هذه الاتفاقيات , من : نشر السلام والأمن , وتشجيع وتعزيز الديمقراطية , ومنع أسباب المشكلات المحتملة , وتوفير فرص العمل , واستئصال الفقر الشديد , وأخيراً احترام شخصية وسيادة واستقلال الدول !!.

4 – دورنا العملي اليوم

فما أحوجنا أن نقدم للبشرية هذا النظام الاجتماعي : الذي يعتمد أولاً على الرابط القوي بين الأفراد كمقدمة لفكرة العدالة الاجتماعية , ثم التفاوت الفطري من أجل التعاون والتكامل لتحقيق العدالة المنشودة , ومن ثم تتنوع الأدوار الاجتماعية , وتختلف درجات المعايش ضمن الطبقة الواحدة التي أقرها الإسلام  , فالتفاضل في الأجور قائم على بذل الجهد , والثروة الاجتماعية يعاد توزيعها , عن طريق الزكاة وكافة صور التكافل على الفقراء والمحتاجين وبقية المصارف المشروعة .

 ومن أجل حفظ الثروة المالية والانتاجية جاء نظام العقوبات في الإسلام , لردع بقية الأفراد عن الانحرافات , وقطع دابر الجريمة , وضمان أن يعمل الأفراد بجد وفي استقرار , وإشباع حاجاتهم الأساسية من طعام وملبس وتعليم وصحة وحرية تعبير , وممارسة لعبادتهم في جو آمن ومريح .

ومن هنا كان التذكير لأصحاب القرار على مستوي أمتنا , بأن خير وسيلة لرفاهية شعوبنا عامة  , في هذا النظام إذا قام على دعامتين :

أولاً :  أن تحسن الدول توزيع الثروات , بحيث لا يتنعم بها البعض , ويحرم آخرون .

ثانياً : أن يحسن الأفراد استخدامهم للثروات بحيث لا يستخدمونها فيما يضرهم , أو يترتب عليها إشباع حاجات ضارة .

وعليه كان التحذير من الانصياع لأي نظام غير هذا النظام , الذي نراه اليوم في هذه الفوضي التي تهدر الحقوق العائلية , و ترسّخ سياسة التجويع والفناء للدول الصغيرة , وتكرس ارتفاع الغني وزيادة الفقر والجهل والمرض للدول الضعيفة , فكانت النتائج الحتمية من جراء ذلك , انتشار بؤر الفساد وأوكار الانحلال بصورة عارمة .

فلماذا نترك هذا الكنز وهو بين أيدينا ؟ وعلام هذا التخبط ومعنا النور ؟ , ففي هذا النظام كل الخير والبركة , وفيه التنمية العلمية والصحية والمالية , بل إنه يمسح دمعة المعذبين في الأرض , ويرسم الابتسامة الغائبة على وجه كل مكروب حزين , فهو لا يهمل محروماً أو محتاجاً أو مقعداً أو عاطلاً أومريضاً أو متعلماً .

5 – واجباتنا لإنجاح حقوق العمال

ولا نجاح لنا في ذلك إلا إذا تحلى الجميع بالعمل ضمن الإطار الإسلامي , في مواجهة المشكلات الاقتصادية , من القيم والمبادئ على هدي الإسلام :

-        فإن كان العمل في الإسلام واجباً على الفرد , فمن واجب الدولة أن 

  توفر فرص العمل لكل من يرغب فيه .

-        وإن كان الإتقان واجباً على الفرد , فواجب الدولة التوزيع العادل للدخل والثروة .

-        وإن كان العمل هو الدعامة الأساسية للإنتاج , فواجب الدولة تنمية الموارد البشرية التي ترفع قيمة العمل وترعاه .

-        وإن كان العامل هو الثروة الحقيقية , فواجب الدولة رفع الظلم عن الكادحين ورفع الأجور وتكافؤ الفرص والعناية الصحية .

-         وإن كان العامل من الطبقة الكادحة , فمن واجب الدولة توفير الأمان الغذائي له ولأفراد أسرته , ففي الحديث : ( إذا بات مؤمن جائعاً فلا مال لأحد ) .

ولماذا لا نفهم رسالة العمال في كل عام , وهم يصرخون من الظلم , ويلفتون الأنظار لقضاياهم ؟ , ولذا أدعو المفكرين والكتاب والإعلاميين والعلماء , أن يهتموا بالعمال ومطالبهم العادلة , من حقهم : في الأجور , وفي الرعاية الصحية , وفي الاستمرار عند المرض أو العجز أو الشيخوخة , وفي المحافطة على كرامتهم , وفي ممارستهم لشعائر دينهم , وفي تقاضيهم , وفي التعبير عن شكواهم في حرية .

 ففي ظل غياب الحقوق , وأنظمة لا تربطها بالعمل إلا سياسة القمع والاستبداد , ونظام اجتماعي يجعل أكل العيش ومورد الرزق منحة تتكرم بها السلطة على العمال , وفي ظل انحسار الحريات وانتشار البطالة , يصبح العمل حلماً نهائياً لدي العمال , فيتحدد مصيرهم بلقمة العيش وليس الفكر , وهذا ما تأمله الأنطمة لتضع العمال أمام أقسي اختبار , وكأنها تقول لهم : إما الخبزوإما الحرية !! .

وأدعو الله أن يزيل الغمة عن أمتنا , ويفرج كرب المكروبين , ويحقق أمل الكادحين في حياة كريمة هانئة .

جمال ماضي

gamalmady@yahoo.com




سبحانك اللهم وبحمدك نشهد ألا إله إلا أنت

نستغفرك ونتوب إليك