بنات الأنبياء

صافورا بنت شعيب
( العفيفة الحيية )
1ـ البنت العاملة :
هى إحدى ابنتى نبى الله شعيب عليه السلام ، عاشت فى مدين ، وهى مدينة تجارية تقع ما بين المدينة المنورة والشام آنذاك ، ويقع بها البئرالذى استقى منه موسى عليه السلام لماشية شعيب ، وكان ما بين مدين ومصر مسيرة ثمانية أيام كما روى الطبرى فى تاريخه .
بعد أن فر موسى عليه السلام من مصر واستقر بمدين بعيدًا عن بطش فرعون ، جلس عند هذه البئر ، وكان الغرباء يتجمعون كعادة البلدة عند البئر ليستضيفهم أحد أهلها .
وعند البئر وجد موسى من دون الناس بنتين تكفّان غنمها عن الماء ، حتى إذا انتهى الناس تبدأ البنتان تسقيان غنمها ، كانت البنتان هما ( ليا الكبرى ) و ( صافورا الصغرى ) وهذه كانت رحلتها اليومية فى العمل ، وما فعلا ذلك إلا لضعفهما ، ووجود من هو أقوى منهما على البئر ، وكانتا تكرهان مخالطة الرجال ، وما أخرجهما إلى العمل إلا قولها : إن أبانا شيخ كبير , لا يستطيع أن يأتى ليرعى , لضعفه , وكانت صافورا الصغرى تشارك أختها الكبرى ليا ، وقد رسمت البنتان لكل فتاة صالحة شروط المشاركة فى العمل عند الضرورة لمساعدة أسرتها ، وقد أفصح القرآن على لسانهما هذه الشروط حينما سألهما موسى الشاب : ( ما خطبكما ؟ ) , يقول تعالى : { ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ، ووجد من دونهم امرأتين تذودان ، قال : ما خطبكما ؟ قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير } القصص : 23 ـ 24 .
2ـ ثمرة صلاح البنات :
حينما حافظت صافورا وأختها ، على صلاحهما ، أوجد الله لهما الشاب القوى الذى آتاه الله بسطة فى الجسم ، نبى الله موسى عليه السلام ، الذى رفع صخرة لا يقدر على رفعها إلا بضعة رجال ، فسقى لهما ، وكان قد أضناه الجوع من السفر ، وكان الوقت حرًا وقيطًا ، وقد زاد على ذلك تعبه فى رفع الصخرة ، والسقاية لهما ، وقد ذكر جميع المؤرخين أن موسى عليه السلام لم يذق طعامًا منذ سبعة أيام .
وبعد أن سقى لهما وهو على هذه الحال , أوى موسى إلى ظل شجرة قريبة من البئر ، يقول القرآن الكريم :
{ فسقى لهما , ثم تولى إلى الظل ، فقال : ربّ إنّى لما أنزلت إلىّ من خير فقير } القصص 24 .
3ـ صراحة البنات :
عندما عادت صافورا مع أختها إلى أبيهما ، استغرب هذه العودة المبكرة على غير العادة ، فسألهما الأب : عدتما اليوم سريعًا على غير عادتكما ما الخبر ؟!.
وفى صراحة وهدوء ، يكون الصدق هو الرائد ، فالصدق منجاة ، وهو الذى يفتح أبواب الخير كلها ، فكان حديثهما عن أمر الرجل الذى سقى لهما بكل وضوح ، ودون مواربة أو لف أو دوران ، وفى هدوء ويقين بسبب صدق البنات وصراحتهن : يقول الأب : الحمد لله رب العالمين .
ثم قالت صافورا لأبيها :
( يبدو يا أبى أن هذا الشاب الكريم أتٍ من مكان بعيد ، وأعتقد أنه جائع ) فقال الأب لصافورا : يا ابنتى اذهبى إليه وادعيه ، وقولى له : ( إن أبى يدعوك ليجزيك ـ يكافئك ـ أجر ما سقيت لنا ) القصص : 25 .
لقد توافق صدق صافورا مع أبيها ، مع دعاء الشاب موسى ، حينما ناجى ربه : { ربّ إنى لما أنزلت إلىّ من خير فقير } القصص : 24 .
أن وفق الله له مَنْ يضيفه ويسد حاجته ، وفي سرعة تلبية الأب ، حينما أرسل صافورا إليه ، وهو لم يزل فى مكانه ، وقد ذكر ذلك كل من الماوردى وابن الأثير .
3ـ لقاء الحياء :
يصور لنا الله تعالى فى كتابه ، كيف جاءت صافورا إلى الشاب موسى ، حينما انطلقت تدعوه إلى أبيها ، يقول تعالى : { فجاءته إحداهما تمشى على استحياء } القصص : 25 .
فهى أول بنت يمتدحها الله بالحياء ، بل وصفها بالحياء ، فكان الحياء أجمل الأزياء التى ترتديها البنات ، بل إن مدح الله لصافورا ( على استحياء ) معناه المبالغة فى الحياء ، فقد تجاوز الحياء إلى استحياء ، وهذا هو مدح ربانى شرفت به صافورا ، وهو دليل على عفتها وتقواها وطهارتها ، ومن ملامح استحياء البنات , والتى فعلتها صافورا :
ـ فمشيتها مشية الحياء ، يقول أبو السعود : تمشى غير متبخترة ولا متثنية .
ـ وكلاهما كلام الحياء ، ففى أدب جم ، تنقل صافورا رسالة أبيها ، كما هى : { إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } القصص : 25 .
ـ حديثها يحمل الأدب والطُهر والعفاف ، والوضوح والبساطة , دون تلعثم أو ريبة أو تبذل .
ـ تربيتها تربية صالحة وقويمة , تدل على فطرتها السليمة ، فهى واثقة من نفسها وعفافها ، وقد جعل النبى صلى الله عليه وسلم , تربية البنات سببًا فى دخول الجنة والنجاة يوم القيامة ، فيقول : [ من عال جاريتين ـ بنتين ـ حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو ـ وضم أصابعه ] رواه مسلم .
ـ نسبت الدعوة لأبيها ، وأوضحت غرض الدعوة ، حتى لا تذهب الظنون بها .
وهكذا كان أول لقاء بين موسى وصافورا , التى اختارها زوجة له , وكان سبب ذلك : ( الحياء ) .
4ـ حياء الفتاة مع عفة الشاب :
إنما جزاء الإحسان يكون دائمًا بالإحسان ، فحياء صافورا كان مغناطيسًا جذب عفة الشاب موسى عليه السلام ، حينما استجاب لدعوة أبيها الرجل الصالح ، ثم صحب صفورا إلى بيت أبيها ، ولما كان ثالثهما الله تعالى ،
المزيد